أحمد بن محمد المقري التلمساني
323
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وفي سنة 157 ثار بسرقسطة الحسين بن يحيى بن سعد « 1 » بن عبادة الخزرجي ، وشايعه سليمان بن يقظان الأعرابي الكلبي رأس الفتن ، وآل أمرهما إلى أن فتك الحسين بسليمان ، وقتل الداخل الحسين كما مرّ . وفي سنة 163 ثار الرحامس « 2 » بن عبد العزيز الكناني بالجزيرة الخضراء ، فتوجّه له عبد الرحمن الداخل ، ففرّ في البحر إلى المشرق . قال ابن حيان : كان مولد ، عبد الرحمن الداخل سنة 113 ، وقيل : في التي قبلها ، بالعلياء من تدمر ، وقيل : بدير حنا من دمشق ، وبها توفي أبوه معاوية في حياة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك ، وكان قد رشّحه للخلافة - وبقبر معاوية المذكور استجار الكميت الشاعر حين أهدر « 3 » هشام دمه - وتوفي الداخل لست بقين من ربيع الآخر سنة 171 ، وهو ابن سبع وخمسين سنة وأربعة أشهر ، وقيل : اثنتان وستون سنة ، ودفن بالقصر من قرطبة ، وصلّى عليه ابنه عبد اللّه . وكان منصورا مؤيّدا مظفّرا على أعدائه ، وقد سردنا من ذلك جملة ، حتى قال بعضهم : إنّ الراية التي عقدت له بالأندلس حين دخلها لم تهزم قط ، وإنّ الوهن « 4 » ما ظهر في ملك بني أمية إلّا بعد ذهاب تلك الراية ، قال أكثر هذا مؤرخ الأندلس الثّبت الثقة أبو مروان بن حيّان ، رحمه اللّه تعالى ! ولا بأس أن نورد زيادة على ما سلف وإن تكرّر بعض ذلك ، فنقول : قال بعض المؤرخين من أهل المغرب بعد كلام ابن حيان الذي قدّمنا ذكره ، ما نصّه : كان الإمام عبد الرحمن الداخل راجح العقل ، راسخ الحلم ، واسع العلم ، كثير الحزم ، نافذ العزم ، لم ترفع له قط راية على عدوّ إلّا هزمه ، ولا بلد إلّا فتحه ، شجاعا ، مقداما ، شديد الحذر ، قليل الطمأنينة ، لا يخلد إلى راحة ، ولا يسكن إلى دعة « 5 » ، ولا يكل الأمر إلى غيره ، كثير الكرم ، عظيم السياسة ، يلبس البياض ، ويعتمّ به ، ويعود المرضى ، ويشهد الجنائز ، ويصلّي بالناس في الجمع والأعياد ، ويخطب بنفسه ، جنّد الأجناد ، وعقد الرايات ، واتّخذ الحجّاب والكتّاب ، وبلغت جنوده مائة ألف فارس .
--> ( 1 ) كذا في أ . وفي ب : « الحسين بن يحيى بن سعيد بن سعد بن عبادة » . وفي ه : « الحسين بن يحيى بن سعيد بن عبادة » . ( 2 ) في أ : « الدحامس » . ( 3 ) أهدر دمه : أباحه وجعل من أراقه لا عقوبة عليه . ( 4 ) الوهن : الضعف . ( 5 ) الدعة : الاستقرار .